في يوم 14 سبتمبر 2015، أي منذ حوالي ثلاثة أعوام، تم رصد حدث كوني عنيف وهو ارتطام ثقبين أسودين عن طريق مرصد من نوع جديد لا يعتمد على الموجات الضوئية أو أياً من الموجات الكهرومغناطيسية المعروفة (الموجات الراديوية أو الميكرويف أو الأشعة تحت الحمراء أو الضوء أو أشعة أكس أو أشعة جاما) بل يرصد تشوهات ضئيلة في الزمان والمكان (الزمكان) تعرف باسم موجات الجاذبية.

وكان العالم ألبرت أينشتاين قد تنبأ بوجود مثل هذه الموجات منذ مائة عام حينما نشر نظرية النسبية العامة والتي خلدت اسمه في تاريخ العلم. وطبقاً لهذه النظرية فإن الزمان لا يسير بمفرده بمعزل عن المكان بل يرتبط كلاهما ارتباطاً وثيقاً ويشكلان معاً ما يعرف باسم الزمكان. أخبرنا أينشتاين أن الزمكان ينبعج و يتشوهموضعياً حول الأجسام الثقيلة وأما إذا حدث تغير كبير في توزيع كتل تلك الأجسام، مثلاً عند دوران أجسام فائقة الكتلة حول بعضها أو عند انفجار نجم أو عند ارتطام ثقبين أسودينأو نجمين نيوترونيين ببعضهما البعض، فإن هذا التغيرات الكبيرة أو المفاجئة ينتج عنها إنبعاث موجات جاذبية عبر الزمكان تحمل فى طياتها كميات هائلة من الطاقة وتظل هذه الموجات تنتشر بسرعة الضوء وتقل في حدتها كلما ابتعدت عن مصدرها حتى تضحى موجات خافتة إلى حد يصعب عنده رصدها.

رسم تخيلى لإنبعاث موجات الجاذبية من جراء دوران ثقبين أسودين حول بعضهما البعض.

وفي مكان يبعد عن الأرض أكثر من 13 تريليون كيلومتر ومنذ حوالي 1.3 بليون عام كان هناك ثقبين أسودين يدوران حول بعضهما البعض وظلت المسافة بينهما تتناقص حتى وصلت إلى حوالي 350 كيلومتر فقط مما نتج عنه ارتطامهما وإلتحامهما معاً في حدث كونى مهول. نتج عن دوران الثقبين الأسودين حول بعضهما ثم ارتطامهما و إلتحامهما إطلاق كمية من الطاقة تعادل ثلاثة كتل شمسية وفي آخر 20 مللي ثانية قبل الارتطام فاقت قوة موجات الجاذبية المنبعثة قوة الأشعة الضوئية المنبعثة من الكون المدرك كله !

وظلت هذه الموجات تنتشر في الفضاء الفسيح إلى أن وصلت كوكب الأرض في 14 سبتمبر 2015 حيث كان في إنتظارها فريق علماء مرصدي ليجو الأمريكي في ولايتي لويزيانا وواشنطن الأمريكيتين والذينتمكنوامن رصدها وكانت هذه أول مرة يتم فيها رصد مثل تلك الموجات مؤكدين بذلك وجودها وصحة النظرية النسبية لأينشتاين.

وتعود أهمية هذا الاكتشاف إلى أنه يؤدي إلى نشوء فرع جديد من علم الفلك وهو فلك موجات الجاذبية والتي تمتاز بقدرتها الفائقة على اختراق كل شيئ بلا أي عوائق مما يمكن العلماء من دراسة أحداث تستعصى على الرصد بأي وسائل أخرى مثل ماذا يجرى فى باطن النجوم عند إنفجارها، تلك الاحداث التى تعرف بالمستعرات العظمى. كما تتيح للعلماء دراسة التحام الثقوب السوداء و التى لا ينتج عنها أى إشعاعات كهرومغناطيسية و من المتوقع أيضا أن تساهم مراصد موجات الجاذبية فى إماطة اللثام عن طبيعة جسيمات الجاذبية و طبيعة الطاقة المظلمة و هى من أكثر الظواهر الطبيعية غموضاً و أعصاها على الفهم.

ولأهمية هذا الاكتشاف فقد سارعت منظمة نوبل بمنح جائزتها السنوية للأساتذة وينر وايس من معهد ماساتشوستسللتكنولوجيا وباري باريش وكيب ثورن وكلاهما من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وهم العلماء الذين كانوا قد لعبوا الأدوار الأساسية في هذا الاكتشاف ولكنهم لم يكونوا وحدهم فقد شاركهم العمل أكثر من ألف عالم من حوالي 17 دولة وتم دعم هذا الجهد بمنح تعدت البليون دولار. و بالنظر إلى الصعوبة الفائقة لرصد مثل هذه الموجات فقد تطلب رصدها إنشاء مرصدي ليجو و هما أكثر المعدات العلمية التى تم إنشائها فى تاريخ العلم كله دقة إذ يمكن لأيهما قياس التغير في أبعاد نفق مفرغ من الهواء يبلغ طوله 4 كيلومترات بدقة جزء من عشرة آلاف من قطر نواة الذرة وهي أقل مسافة تم قياسها تاريخياً

مرصد ليجو الأمريكى فى ولاية واشنجتون الأمريكية و يبلغ طول كلا من ذراعى المبنى 4 كيلومترات

وتلى رصد هذا الحدث الكوني رصد أحداث أخرى و أكثرها أهمية من الناحية العلمية هو الرصد الذي تم في تاريخ 17 أغسطس من العام 2017إذا تم لأول مرة رصد اصطدام نجمين نيوترونيين، كانا أيضا يدوران حول بعضهما البعض، إذ على العكس من ارتطام الثقوب السوداء والتي لا ينتج عنها أي إشعاعات أخرى بخلاف موجات الجاذبية، فينتج عن تصادم النجوم النيوترونية إنبعاثات كهرومغناطيسية وفيرة يمكن رصدها بالمراصد التقليدية. وفور رصد موجات الجاذبية بواسطة ثلاثة مراصد هذه المرة، إذ دخل الخدمة مرصد ثالث في إيطاليا يدعى فيرجو يترابط مع مرصدي ليجو الإمريكيين، تم تحديد مكان مصدر هذه الموجات القادمة من الفضاء مما مكن العلماء من توجية مرصد هابل الفضائى الطائر لتلك الناحية للتحقق من هذا الحدث وبالفعل تمت مشاهدة هذا الحدث النادر وتصويره، ليس فقط بواسطة هابل بل بواسطة سبعون مرصد موزعة على القارات السبع و فى الفضاء، مما يؤكد على صحة بيانات ليجو عن طريق الرصد المباشر للحدث، الامر الذى كان يصعب تحقيقه بالطرق التقليدية وحدها، إذ يتعين توجيه المرصد الضوئى أولا إلى منطقة الحدث لرؤيتهمما يتطلب أولا تحديد مكان هذا الحدث، الأمر الذى يشبه محاولة العثور على إبرة فى كوم من القش. و كما يرى القارىء العزيز، فإن مراصد الجاذبية لا تتطلب أى نوع من أنواع التوجيه، فهى مبانى ثابتة لا يمكن توجيهها أصلاً فهى تراقب الكون كله فى نفس الوقت و تستشعر أى حدث به يتسبب فى تشوه الزمكان، بل و تفيد بمكان حدوثه بدقة تتزايد بزيادة عدد المراصد العاملة.

نتج عن التحليل الطيفى للإنفجار المهول الذى نتج عن إرتطام النجمين النيوترونيين إكتشاف كيفية تكون المعادن الثقيلة مثل الذهب والبلاتين و الرصاص الأمر الذى لم يتم إثباته من قبل، و من الطريف أن العلماء تمكنوا عن طريق تحليل الطيف من رصد ما يعادل عشرة أضعاف كتلة الارض من الذهب الخالص تم إنتاجها عند إرتطام النجمين النيوترونيين.

بالإضافة إلى الإكتشافات السابق ذكرها فقد أتاح رصد موجات الجاذبية إثبات أن مصدر إنبعاثات أشعة جاما قصيرة المدة وهو إرتطام و إلتحام النجوم النيوترونية، اذ قام مرصد فيرمى الفضائى برصد إنبعاثات عنيفة لأشعة جاما قصيرة المدة فى خلال ثوانى من رصد موجات الجاذبية بواسطة مرصد ليجو و لحسن الحظ مصدر هذا الإنبعاثيقععلى بعد 130 مليون سنة ضوئية من خارج مجرتنا، مثله فى ذلك مثل الغالبية العظمى لإنبعاثات جاما و التى عادة ما تنبع من مجرات أخرى تبعد عن مجرتنا بمسافات شاسعة إذ أن إحدى هذه الإنبعاثات، إذا ما نشأت من داخل مجرة درب التبانة و ضربت كوكب الارض فسوف ينتج عنها إنتهاء الحياه به.

أما عن مرصد ليجو نفسه فهو يمثل ضربا من ضروب الاعجاز العلمى و الهندسى على أصعدة عدة، فلكى يستطيع هذا المرصد أن يرصد موجات الجاذبية كان يتعين عليه أن يتمكن من قياس مسافة جزء واحد من عشرة مليون مليون مليون جزء من المتر، اى ما يعادل جزء من عشرة ألاف جزء من قطر جسيم البروتون و هو ما تم فعلا مسجلا بذلك أصغر مسافة أمكن قياسها على الاطلاق. و لقياس مثل هذه المسافة كان يتعين تصميم و إبتكار تقنيات عديدة لم تكن معروفة من قبل كما تطلب الأمر أخذ إعتبارات نظرية الكم فى الإعتبار إذ يصبح مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج مؤثرا عند قياس مثل هذه المسافات متناهية الصغر

بقلم : أ د. نبيل كامل- نائب رئيس الجامعة العربية المفتوحة- فرع مصر.

مصادر الصور

صورة1: https://asd.gsfc.nasa.gov/blueshift/index.php/2015/11/16/doing-astronomy-with-our-eyes-closed

صورة2: https://asd.gsfc.nasa.gov/blueshift/index.php/2015/11/16/doing-astronomy-with-our-eyes-closed/

.